اقتباس من روايتى الخيالية
أسطورة سنجابى للكاتبة تركية لوصيف /الجزائر
استيقظت على نقرات عصفور أبيض جميل ، كان ينقر على زجاج النافذة مستنجدا بى ،كان مبللا بذوبان شيء من الثلج على جناحيه ،فتحت ، وأمسكت به ،ولكن الرياح كانت شديدة ...
وأخذ منى إعادة غلق النافذة بضع دقائق ..جففت ريشه ، وقمت بإطعامه من لبّ الجوزة ، استلقيت مجددا على الكرسى الهزّاز وكانت الألوان الجميلة للشعلات تتراقص على نوتات زقزقة العصفور الصغير ،وكأنّما يقدم لى هديتى عربونا لرحمتى ورفقى به ،دفء البيت جعلنى أستسلم لنوم عميق ...
واستيقظت فى كامل لياقتى ، فقمت على عجل وأعددت شرابا ساخنا ،ارتشفت قليلا منه ،وتناولت معطفى الشتوي وقبعتى الصوفية ،وانتعلت حذائى الرياضى ،وأنا أرى خيوط الفجر تنسج رداء الصبح الأبيض ،.ألقيت نظرة على هندامى فى المرآة ، ثم تذكرت العصفور الصغير فحملته بين يدي ،وركضت باتجاه المدرسة ،سلكت مسلكا غابيا وعرا ،ومغطى بالثلوج الناصعة البياض ،وأخيرا صرت بداخل حجرة الدراسة ،اختبأت تحت المنضدة لمراقبة واضع الجوزات على مقعدي ...
الوقت يمر ببطء شديد ، وكنت أكسر قسوة الإنتظار بإخبار العصفور بكل ما أعرفه عن ثمار الجوز ،كم هى لذيذة ومغذية وسأجعلها طعامه كلما شعر بالجوع ،انتابنى التوت لعدم ظهور الشخص ، فقمت من تحت المنضدة ،واسترقت النظر من خلال النافذة ،فإذا بى ألمح أحدهم يقترب ،ويختلس النظر فى كل الإتجاهات ،ويحمل شيئا بين يديه ،اختبأت مجددا ...وأخيرا تبيّن لى واضع الجوزات ،كان صديقى سنجابى ،جعلته ينتبه لوجودى بدفع المقعد ،فالتفت مذعورا ، رآنى ، ففر هاربا ، ركضت خلفه ولحقت به رغم سرعته ،وكانت أولى كلماته :ابتعدى من أمامى وإلا جعلت دمك يسيل بواسطة هذه الحجرة التى جلبتها من وادى الموت .
واقتربت منه ، ولم يتردد لحظة أصابنى على جبينى ،فسال دمى ...
لم أستفق إلا وأنا فى عيادة المدرسة ممددة على السرير ، والممرضة تضمد جرحى ،كان المعلم فى عجلة من أمره ،ولا يريد إضاعة الوقت ،وكان يقذف الكلمات بسرعة ،تصحبها تأتأة ،حتى أننا لم نتمكن من فهم سؤاله ،فحولت نظرى إلى زميلى الذى كان يرتعش ،وقد أبقى الغبي الحجرة بيده ،أجبت بأنى سقطت على وجهى ،بينما كنا نلعب فى ساحة المدرسة العامرة بالحفر وكومات الحجر ،ولم يصلحها المسيرون بعد ،وها أنا ذى أتعرض للأذى .ابتسم المعلم بخبث واكتفى بالتحديق فى الحجرة التى بيد الغبى وكأنه يجمع خيوط الحادثة ،ثم قال : لابأس ، فى المرّة القادمة ، العبا بعيدا .
رأيت انشراحا على محيا الغبى ،وأردف بابتسامة عريضة ،بعدما غادر المعلم والممرضة المكان وراحا يتحدثان بعيدا حتى لا نستمع إلى حديثهما ،ثم طلبت من سنجابى الإقتراب منى ففعل ،فجذبته بقوة ،وهمست فى أذنه : خذنى إلى مكان الجوزات ياغبي .
عادت الممرضة وسمحت لى بالمغادرة ،وتشبثت بذراع سنجابى حتى أوهمها أنى لست بخير ،المعلم يتابعنى بنظرة كلها ريبة ، ابتعدنا مسافة ورأيته يراقبنا من خلال النافذة ،تأكدت أنه لم يصدقنى فى شيء، قلت ذلك لسنجابى الذى رد سريعا :نعم ، المعلم لا يصدقنا لأنه ليس غبيا مثلى ،أليس هذا وصفك لى ؟
ورسم على ملامحه مسحة من الحزن ...
قلت : خذنى الآن إلى مكان الجوزات .
صرخ بأعلى صوته : لايمكن .
كتمت أنفاسه وجذبته ، ونظرت إلى المعلم الذى تملكته الحيرة لأمرنا ،ومايدور بيننا ،فابتسمت ابتسامة زائفة وغادرنا المدرسة .
رأيت سنجابى يفرّ منى ،وأنا أركض خلفه ،كان يشرح لى خطورة المسلك ،ثم يلتفت إليّ ،فيزيد من سرعته حتى أنهكني التعب ،وسقطت بقربه متألمة ،اقترب منى وقال : سأمتحن شجاعتك يامجنونة ، وبعدها سأنظر فى أمرك .
أقامنى ، وقطعنا مسافة طويلة كلها أحراش ومنحدرات ،وانتهينا إلى هضبة كبيرة ، استرحنا قليلا ،ثم واصلنا قطع ماتبقى إلى أن وصلنا إلى قارب يشدّه حبل متين إلى جذع شجرة ، استقلينا القارب ، ورأيت أننا نبتعد كثيرا...وندخل فى مكان يسوده الظلام.
شعرت بالرهبة ، فتمالكت نفسى ،بينما كان سنجابى بالمجذافين يدفع الماء دفعا ،فيقترب القارب أكثر فأكثر ،وكانت عضلاته المفتولة تمنحه الثقة بنفسه ،فكان لا يبالى بالظلمة ،فأيقنت أنه سيكون الزعيم فى مغامرتنا ،توسطت القارب واستسلمت لنوم عميق ،حتى لفحتنى حرارة الشمس ،فاستيقظت ...
شاهدت سنجابى يجذف ويجذف ،فقلت : ألم نصل بعد ؟
قال : سنصل بعد غروب الشمس .
أخذت مكانه بينما يأخذ قسطا من الراحة ،وجدت التجذيف صعبا جدا ومتعبا ،ولكن لاجدوى من التذمّر ، علينا الوصول إلى وجهتنا فى سلام.
قرص الشمس يتضاءل تدريجيا ، ويستوى مع سطح الماء ،تركت المجذافين وتأملته ،فأشعرنى بالسعادة ...
برودة سرت إلى جسمى ، فأيقظت سنجابى وأنا أهزّه هزًّا خفيفا : استيقظ ، يبدولي أنّنا وصلنا .
ربطنا القارب إلى جذع شجرة بإحكام ،وناولنى محفظة ظهرى ،رحت أتفحص المكان الغابى ،وجدت سنجابى يتبعنى ،ويحدثنى أنه عاش بهذا المكان الموحش من قبل رفقة والده مبتور الذراع ،الذى لقي حتفه إثر هجوم مفاجىء لدب شرس، وهاقد مرّ وقت طويل ...
دهشت لما يرويه لى ،وصرخت فى وجهه : لماذا أتيت بى إلى هذا المكان حيث مات والدك ؟
ماسر ارتباطك بهذا المكان؟
هل تريد هلاكى ياسنجابى ؟
انهمرت الدموع الغزيرة من مقلتي ،ورقّ قلب سنجابى لحالى ،فحاول تهدئتى ، فدفعته ،ولم يحاول الإقتراب منّي مجددا...ثم سمعته يقول وهو يغادر :لن أنتظر طويلا ، أنا مغادر واحملي على ظهرك حقيبتك واتبعينى .
فعلت ماطلب منى ،ووجدنا بيتا خشبيا على جذع شجرة عملاقة يبدو مألوفا لديه ،رأيته يصعد السلم بسهولة ، ثم ناولنى يده فجذبنى بقوة ودخلنا إلى كوخ به مصابيح زيتية ، وأفرشة ، وأغطية ، ودلاء فيها مياه عذبة ،وآنية فخارية بها عسل ، وأكياس بها مختلف المكسّرات ،وصندوق خشبى صغير .
قلت : مابداخل هذا الصندوق ؟
قال : هيّا نامي
وغدا سأجيب على كل مايجول بخاطرك
اهدئى فحسب ، ونامى رجاء ، فأنا متعب.
نام سنجابى ، بينما أنا قمت بفتح الصندوق ، فوجدت خاتما منقوشا عليه وجه سنجاب بوضوح وخريطة ورسالة حروفها غير مفهومة ، أعدت الصندوق إلى مكانه ، ثم نمت ...
صوت الوحش المخيف جعلنا نستفيق على فزع ، كان يهز بقوة الشجرة ،فيهتز الكوخ الخشبى ، دعان سنجانى إلى التزام الهدوء ،...ثم مالبث أن غادر الوحش.
قام سنجابى بإضاءة المكان ،ثم ناولنى بعضا من العسل والمكسرات وهويحدثنى أنه العلاج المناسب لحالات الفزع ،حتى لا نصاب بداء السكرى .
سألته : هل تعود إلى النوم؟
قال : طبعا تصبحين على خير يا (توتو)
نام سنجابى ، فكان لابد لى من أن أنام أيضا...خيوط النّور تنبعث من شقوق الألواح الخشبية ، النور يعم المكان شيئا فشيئا ، استيقظت فوجدت سنجابى قد سبقنى ويصلح من هندامه ،ويملأ الحقيبتين بعدة الرحلة من متفجرات وعود ثقاب ومصابيح ،وأغطية ،ومايلزمنا من أكل ،وحتى المسدس وضعه على خاصرته .
قال :هيا انهضى ، علينا أن نغادر حالا.
قلت : إلى أين ؟
قال : إلى حيث أرى شجاعتك ، وتكونين رفيقتى ،ومساعدتى ،فإن نجحنا ، غنمنا.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق