.. .. بقايا امرأة
لم تنفع معه كل تمائم الصبر ، و لم تغيره السنون ، بل لم تزده إلا قسوة ، و انغماسا في شهواته و إغراقا في غيه .. و هي لم تجد حيلة إزاء غضبه ، و ما يصبه عليها من عذاب .. ماذا تصنع و قد بقيت في هذه الدنيا وحيدة .. في سجن هذا الزوج الذيأدمن الكحول و لعب القمار منذ شبابه ، حتى أنه تعود ارتياد المقاهي و دور اللهو
ولا يعود إلا مترنحا في منتصف الليل ..
لم يكن لها من سند إلا أن تجلس وحيدة تبكي
بعد أن تفرغ من رعاية أطفالها الذين يكابدون النوم على جوع بطونهم ..
تذكرت بكاءها حين رفضت الزواج من هذا الانسان ، و لكن إصرار ابيها و عصبيته قد جعلها تستسلم و توافق .. و كم تمنت لو الأرض انشقت و بلعتها . . او لو أنها سقطت في بئر الماء الذي كانت تمر به في طريقها ، اذن لارتحات من هذا الكابوس ، و هذا الجحيم الذي ستقضي عمرها فيه .
نعم ، حينما طرق بيت والدها كان يستعرض رجولته و وداعته ، و حسن هندامه ، و لكنها كانت غير مطمئنة له ، بعد أن وصلها بعض من سوء سيرته ،، و ما إن تزوجها بدأ ينقلب وحشا انسانيا ،، و أذاقها صنوفا من العذاب و الضرب و الشتم ،، و بعد موت والديها ، زاد في ضلاله و قد طردوه من العمل ، و أصبح مدمنا على المسكرات ، ليقع أخيرا في تعاطي المخدرات .. و كان حين ينقصه المال يعتدي عليها و تحت التهديد بالسكين يصادر ما توافر معها من دنانير ، و كان يلجأ الى بيع بعض الحاجات من البيت ..بعد أن باع خاتمها ، الذي كانت تحتفظ به ذكرى من عطاء أمها ..
ها هي تروي معاناتها ، و تقول :
شاء حظي العاثر أن أبتلى بهذا الإنسان ،، عفوا ، هذا الوحش الذي جعلني أكره الدنيا برجالها و نسائها .. لم أشعر يوما أنني امرأة
و لم أشعر يوما بطعم سعادة .. حول حياتي
إلى جحيم لا يطاق .. و قد تفنن في تعذيبي و إذلالي .. قد تقولون لماذا استسلم .. و انا أقول لكم لقد حاولت سنينا أن أصبر ، لعله يتغير .. و كنت أقول من اجل أبنائي سأصبر لكنه كان يزداد في غيه و انحرافه . و قد كنت أحاول أن لا أهدم هذا البيت . . الذي يسترني و أطفالي . لقد رحل ابي بعد مرضه ، و لم تتأخر والدتي باللحاق به ..لم يبق لي غير الله .. و كنت أغلق الباب على نفسي و أبكي ،، كنت أطرد شيطان نفسي الذي أغراني بالانتحار ، و الخلاص من هذا الجحيم .. لكنني كنت أدعو الله أن لا يجعل نهايتي إلى النار .. كنت أضم أطفالي كالفراخ الجائعة في ليل الشتاء .. و كنت أسكت جوعهم بالقليل القليل مما يجود به بعض المحسنين ..
كنت كلما سمعت بفرح او زواج .. و كلما رأيت النساء عابرات الطريق .. احترق من الداخل .. و أتالم حد الانكسار .. و أقول أما لهذا الليل من آخر .. كنت أشك و أفقد الثقة بنفسي ، و أنا أسمعهم يتحدثون عن يوم المرأة .. أشك هل أنا مثلهن ،، أو هن مثلي
إنما أنا بقايا امرأة ..
- أحمد المثاني -


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق