السبت، 25 يونيو 2022

" عاشقة القشور "...................الأديب ماهر اللطيف (تونس )


عاشقة القشور
حبست أنفاسي ومنعتها من العمل حتى بلغني صوت دقات قلبي وهي تتضاعف وتتقوى فزادت من توتري واضطرابي، وقفت مكاني والعرق يتصبب من كل جانب ومكان وقد اصفر وجهي، ارتعدت فرائسي وتلعثم لساني وجف ريقي وتزايد عطشي وجوعي ورغبتي في التهام اي شيء يعترضني عساني استرجع هدوء وتوازن هذا الجسد الذي انهار واعتل الآن ولم تصبه أية علة...
تقهقرت قليلا لاجلس على أقرب كرسي لاخفي ارتعاش جسدي بأكمله وعدم مقدرتي على الاستمرار والتوازن والصبر والتجلد. وضعت رأسي بين يدي وأطلقت العنان بصوت مرتفع للغاية " حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل، إنا لله وإنا إليه راجعون. استغفر الله العظيم واتوب اليه عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته عدد ماكان وعدد مايكون وعدد الحركات والسكون..." قبل أن تمطر عيناي وتكاد تغرقني في دموعها الغزيرة في هذا الوقت الصيفي الجاف...
ثم تذكرت قولها" ليتك بقيت جميلا في نظري وعقلي وقلبي، كبيرا وعظيما في مخيلتي، مصدر أحلامي والهامي وامنياتي وانتظاراتي كلما اخلو بنفسي واشرع في تخطيط مستقبلي... ،ليتك لم تأت ولم ارك لتبقى عندي هرما أكبر من اهرام مصر وعلما أشهر من فرعون وهامان وغيرهما....ليتك لم ترني وجهك القبيح الذي هدمني وحطمني، افاقني من أحلامي وارجعني إلى هذا العالم المادي الذي تلعب انت فيه دور العاشق الولهان والمحب الرومنسي الماهر الفتان الذي يقدر كسب قلب أية أنثى بسهولة وسلاسة بلسانه وافكاره قبل أن يهدم كل شيء بحضوره وصدمة المحبوبة لقباحة وجه وشكل هذا "الكائن اللعوب"... ليتني رفضت لقاءك... "
وما ان عدت إلى الجادة وقد أظلم المكان حتى قلت في نفسي ( وقد مر على تلك الحادثة ما يزيد عن الشهر بقيت خلالها في حالة ذهول وصدمة وخنوع مستمر ولم استفق من هذه الحالة وقد تحجر عقلي وقلبي)" يجب أن اهاتفها للمرة الأخيرة، فلست ممن يستسلم او يرضى بالذل والمهانة، وإن رفضت الرد على هاتفي فساعودها في منزل والديها واخاطبها أمامهما واتحمل مسؤوليتي كاملة..."
وبقيت كذلك بين الاخذ والرد،التفكير والتدبير والتخطيط والتطوير ،الوعيد واللامبالاة، الجهر بالكلام والهمس به... ،إلى أن استقر رأيي على مهاتفتها وطلب رؤيتها في اي مكان عام ترتئيه هي لآخر مرة قبل الوداع والهجر الأبدي، فكان ذلك فعلا بعد عديد المحاولات وتدخلات الأصدقاء والصديقات إلى أن حل اليوم الموعود فاتجهت صوب المكان المتفق عليه (وهو مقهى في أقصى المدينة يكاد يكون مهجورا لا يقصده أحد أو يكاد، وهو اختيارها خشية ان يراها معي اي كان)، فجلست في مكان في آخر المقهى بعيدا عن أعين الناس وهواة الفتنة والاغتياب وطلبت قهوة سوداء سواد شعري وعيناي وايامي واقداري وحظي وقارورة مياه معدنية في انتظار مرافقتي.
وبعد أكثر من نصف ساعة من الموعد المحدد بيننا، قدمت "دلال" وهي ترتدي ملابسا عادية للغاية تقترب من البالية، لا تضع مساحيقا ولا مواد تجميل فظهر وجهها شاحبا وكئيبا، وشعرها غير مصفف، تشوب وجهها تقاسيم الحزن وعلامات الاشمئزاز وخيبة الأمل..
تقدمت نحوي وهي تلتفت من حين لآخر إلى الوراء خشية ان يراها احد من معارفها، ثم ابتسمت ابتسامة مصطنعة مستعينة ببعض الحركات والإشارات، فجلست دون ان تصافحني او تقترب مني ثم قالت وهي تنظر إلى قارورة المياه التي رأتها أجمل من وجهي وجديرة بالنظر إليها على النظر الى هذا الوجه العبوس القبيح:
- تفضل، هات ماعندك بسرعة فلن أطيل المكوث هنا
- (مبتسما وباسطا يدي نحوها لمصافحتها متى تجاهلت هذه البادرة واجبرتني على التراجع عن هذا الصنيع) مرحبا بك دلولة
_ (مقاطعة بشدة وهي تصيح عاليا وبصاق فمها يتطاير في كل اتجاه ) اسمي دلال، أو بالأحرى الآنسة دلال اوجز يا... (تتظاهر بنسيان اسمي مشيرة بيدها الي لاذكرها به)
- (مستنكرا هذا التصرف برأسي وفمي وتغير تقاسيم وجهي) عثمان
- (مقاطعة وهي تتظاهر بتذكر اسمي) نعم، نعم، عثمان. اوجز وهات ما عندك دون الرجوع إلى تفاصيل ذلك اللقاء الشهير الأول وقبل الأخير، بما أن هذا اللقاء حتما سيكون النهائي دون أدنى شك.
- (متأففا وممتعضا باطنيا) حاضر يا آنسة، فكلامي، آرائي، مواقفي، كتاباتي، منشوراتي،تعاليقي وغيرها من الأشياء التي ربطتني بك سلفا واعجبتك إلى حد الحب هي طباع، تربية، اخلاق، شخصية وغيرها، هي مكونات وأسس هذا الكائن، جزء منه، حقيقته التي لا تتغير ما إن تكتمل وتنضج - بل تتعدل وتتطور وتتحسن حسب الزمان والمكان والمتعامل معه - عكس جسده الذي يتراجع ويتهاوى ما إن يبلغ أشده وتتقدم به السنون
- (مقاطعة بشدة وهي تتأفف) أف، اقلع عن السفسطة والهراء والشعبوية ولخص قولك
- (مشمئزا ومصدوما) انت أحببت شخصيتي وذاتي قبل أن تكرهي جسدي ومظهري وقوامي مع أنهما واحد، هما أنا
_ (متاففة ومظهرة استهزاءها بي) وبعد
_ مع اني كل لا يتجزأ (وهي تشير بيدها عاليا لتقول "طز") ،فلم أخلق نفسي ولم اختر هذا المنظر والمظهر (وهي تقهقه وتشير الي بيدها وهي تستهزئ بي)، ما الذي ينقصني حتى تصديني وتعارضين تواصل علاقتنا
- (مقاطعة بقوة وهي تستقيم واقفة مستعينة بيدها التي كادت تصيب عيني) علاقتنا؟؟؟ لا تكرر هذا الكلام يا هذا (وترفع كأسا ممتلئة بالماء وتبلل وجهي وكامل جسدي به، وتتركني وترحل عن المكان وهي تكرر بقوة) علاقتنا، علاقتي بهذا "القرد" و"الجرد"، ابطي أجمل منه واسمح، فما بالك بحذائي الذي اتشرف به أكثر من هذا "الزنجي" .... (وكل من في المقهى يتابع المشهد ويضحك استهزاء وسخرية..)
فبقيت مكاني مجمدا، وترشفت قهوتي على مهل وانا اسقي عروقي وحلقي بكوب وراء كوب من الماء من حين لآخر، قبل أن أغادر المكان في حالة من اليأس والمهانة والذل...
خرجت وانا جسد بلا روح، شبه فاقد الوعي والادراك، لا أرى ولا اسمع ولا اتكلم، لا أرد تحية بعضهم وهم يجانبونني في المشي في طريقي نحو منزلي....
وبقيت كذلك فترة من الزمن، اتابع اخبار دلال ومغامراتها العاطفية التي كللت جميعها بالفشل (إذ كانت تختلق المساوئ والسلبيات والنواقص كلما تعلقت بشخص واقتربت منه وخافت من الارتباط به وتقييد حريتها وغيره) والقطع، فيما نجحت مؤخرا في تمتين علاقتي ب"ردينة" التي رأتني فتى احلامها ورجل حاضرها ومستقبلها، وها نحن متزوجان ننتظر مولودنا البكر الذي لن يطول وقت اطلالته وولادته ليضفي على اسرتنا الصغيرة مزيدا من السعادة والفرح والأمل. فمن اتخذ المظاهر الخادعة شعارا في الحياة، ركنته الحياة وتناسته ورتبته كالكتب على الرفوف تتلاعب بها الايادي والغبار والاتربة والتجاهل والنسيان والهجر،...،ومن وضع قدميه على الأرض وحاول فهم الحياة كافاته مكافأة شرف المحاولة على الأقل تماشيا و مقولة "فمن اجتهد واصاب فله اجران ومن اجتهد ولم يصب فله اجر واحد"...
--------------------بقلم : ماهر اللطيف (تونس )


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( الغوص في الأعماق )) بقلم الشاعر محمد فراشن \ المغروب ـ أزمور

الغوص في الأعماق.../... بحجم خرم ابرة.. فتحت نافذة.. في سماوات قلبي.. كي أرى مدن الفطرة.. ركبت براق خيالي.. وحلقت بعيدا.. في سحيق المجرة.. ر...