في كُلِّ ضعف مكامنَ قوْة
في كُلِّ الكائنات التي خلقها الله تعالى مكامنُ قوَّةٍ ومكامنُ ضعف ، فالقويُّ مهما كانت قوته لا بُدَّ من وجود نُقاط ضعفٍ فيه ، والضعيفُ أيضاً لا بُدَّ أنْ يملُك نُقاط قوَّةٍ فيه قد لا يُدرِكُها ولو استغلَّها لما وقعَ فريسةً سهلةٍ لمن هو أقوى منه ، فالغزال مثلاً لو أدرك قوته بسُرعة عدوه وأنه أسرع من الأسد بكثير ، لما تمكَّن الأسد من الإنقضاض عليه ليفترسه ، ولكن عامل الخوف من قوة الأسد جعلته ينظر إلى خلفه ويكون سبب ذلك إبطاء سُرعته ووقوعه بين أنياب ومخالب الأسد ، وكذلك الحال في الشعوب والأمم الضعيفة توجدُ عندها قوةٌ لو استغلتها فلا بُدَّ لها من الغلبة على القوي ، وتحقيق انتصاراتها ، وفي التاريخ شواهد كثيرة على ذلك ، وعوامل القوة التي تمتلكها بعضُ هذه الأمم ، وخاصةً أمتنا العربية والإسلامية هي الإرادة والإيمان الصادق بعقيدتها وتجسيد هذا الإيمان عملياً ، ففي غزوة بدر كان عدد المسلمين يُقارب ثلاثمائة فارسٍ وبأسلحة قليلة وبالمقابل كُفار قريش كان عددهم ألف فارس مُجهزين بكامل أسلحتهم ، ولكن في هذه الغزوة كانت الغلبة للمسلمين لإيمانهم برسالتهم وبتصميم وإرادة قوية على تحقيق ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد تجلَّت أبهى الصور في هذه الغزوة عندما عقد النبي صلى الله عليه وسلم مجلساً للشورى مع صحابته من أجل مواجهة الكفار في هذه الغزوة فقام المقداد بن عمرو رضي الله عنه وقال : ( يا رسول الله، إمضِ لما أراك الله فنحنُ معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: إذهب أنت وربُّكَ فقاتلا إنَّا هنا قاعدون ، ولكن إذهب أنت وربُّكَ فقاتلا إنَّا معكم مُقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سِرت بنا إلى بَرْكِ الغِمادِ لجالدنا معك من دونه حتى تبلُغه ) وبعدها قام سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال : ( لكأنك تُريدُنا يا رسول الله ؟ . فوالذي بعثكَ بالحق ، لو استعرضت بنا هذا البحر فخُضته لخُضناه معك ، ما مِنَّا تخلَّفَ رجلٌّ واحد ، فسِر على بركة الله) ولن ننسى أيضاً معركة اليرموك وكيف خالد بن الوليد بحنكته انتزع النصر بجيشه الذي لا يزيد عددهم عن أربعون ألف فارس مقابل ما يزيد عن ثلاثمائة ألف فارس بيزنطي ، وكانت هذه المعركة فاتحةٌ لانتصارات المسلمين وفتوحاتهم .
نستخلص مما سبق أنَّ الإرادة والإيمان بالعقيدة من أهم عوامل القوة إذا كانت مترسخة في القلوب وهذا ما ينقصُ أمتنا حالياً ، فنحن لدينا كُلِّ مقدرات القوة من عددٍ ومن ثروات ولكن ضعف إيماننا ووهنُ عزيمتنا وتعلُّقُنا بالدنيا هو ما جعلنا في آخر الأمم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يوشك الأمم أن تداعى عليكم ، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، فقال قائل ومن قلةٍ نحنُ يومئذٍ ؟ قال بل أنتم يومئذٍ كثير ، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاء السيل ، ولينزعنَّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذِفنَّ الله في قلوبكم الوهن ، فقال قائل : يا رسول الله ، وما الوهن ؟ قال حُب الدُنيا وكراهية الموت ) .
فالإنتصار قد يتأتى من مُنازلةٍ غير مُتكافئة لمن أدرك مواطن الضعف لدى خصمه واستثمر مكامن القوة لديه ، وفي عصرنا الحاضر لن ننسى مُقارعة عمر المختار للإيطاليين ، ولن ننسى ثوار الفيتكونج لتمسكهم بمبادئهم ولقوة عزيمتهم وإرادتهم بتحقيق النصر لأنهم أصحاب حق وخرجت أمريكا صاغرة تجرُّ أذيال الهزيمة من أراضيهم ، فالشعوب المقهورة عبر التاريخ أنجزت انتصاراتها على عدوها بخيارات المقاومة الشعبية ففي عام ١٩٣٦م أجبرت الثورة الفلسطينية بريطانيا على توقيع هدنة معهم وكان ذلك من خلال تطمينات ووعودٍ من دولٍ عربية بتحقيق مطالبهم ، ولن ننسى صمود المقاومة الفلسطينية عندما اجتاحت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان ، وصمود المقاومة إثنان وثمانون يوماً ، ولن ننسى الإنتفاضات الفلسطينية من عام ( ١٩٨٧م ولغاية ٢٠٠٢م ) فهذه الإنتفاضات أظهرت قوة كامنة يختزنها ضعفهم الظاهر ، فواجهوا بها سطوة قوة تخور في منازلات ذكية ارهقت العدو الصهيوني ، وكذلك الحال في إفغانستان فكم أعملت أمريكا من قتل وتدمير وفي النهاية خرجت صاغرة أمام الإرادة والعقيدة الحقة رُغمَ قِلّة العدد وقِلّة الإمكانات ، قال تعالى في سورة البقرة : ( كم من فئةٍ قليلة غلبت فئةٍ كثيرة بإذن الله ، والله مع الصابرين ) .
وفي النهاية أود القول أنه ما من دابَّةٍ في الأرض إلا وتنطوي على مكامن ضعفٍ مُحتملة ، لكن الأبصار تغفل عادة عن أنَّ القوة ذاتها فيها مكامن ضعفها وإن استعلى جبروتها ، وأن الضعف يتلازم مع قوته أيضاً وإن لم يتوقع هذا منه ، وهو ما يتجلَّى بأقدارٍ نسبية ، فضعف أمتنا العربية والإسلامية يكمنُ في ضعفِ عزيمتها وعدم تمسُّكُها بدينها والعودة إلى تعاليم عقيدتها ، اللَّذيْنِ بهما مكمنُ القوة لها ، فالإرادة الجسورة والإيمان بالمعتقد يقفُ عقبةً أمام تفوُّقِ كُلِّ مُعتدٍ ومُتغطرِس مهما علا شأنه ، فلا يوجد دولةٌ عُظمى تبقى على حالها أبد الدهر مهما تعاظم شأنها بأساليب النهب والسلب من أقوات الشعوب الأخرى ، وعلى هذه الشعوب الضعيفة أن تخرج من قُمقُم الهوان والذل التي هي فيه وتكُفَّ عن هواية الإزدراء الذاتي وجلد الذات التي تستبِدُّ بها والتقليل من شأن نفسها ، وعليها أن تُنمي في أبنائها الإرادة والعزيمة وترسيخ الإيمان بعقيدتها لتحقيق أهدافها ، فبقوة الحق نقف في مواجهة سطوة قوة الباطل التي بُنيت على مُقدرات ونهب الشعوب الأخرى ، ويجب أن نُؤمنُ بنظرية ( ليس القويٌّ قويٌّ بإطلاق ، وليس الضعيفُ ضعيفٌ بإطلاق ، ففي القوَّةِ ضعف ، وفي الضعفِ قوّة ) والشواهدُ بذلك ماثلة عبر التاريخ في كُلِّ مناحي وجوانب الحياة ، فالقوة الحقيقية هي التي تتمثل بالإرادة والعزيمة الصلبة التي لا تعرف اليأس ، وهي المقدرة على العيش وتحقيق الغاية التي خُلِقنا من أجلها ، ونحنُ كشعوبٍ عربية لا ينقُصُنا شيء ، إلا الإرادة والعزيمة وقوَّةَ الايمان ، وأن لا نركنَ لليأسِ والخوف من هذه القوى العُظمى مهما ملكت من قوَّةٍ ومن تقنيات ، ولكن بالإرادة والإيمان سننتصر وتكون لنا الغلبة ، ولله درُّ أبي القاسم الشابي في هذا المجال إذ قال :
ضعفُ العزيمةِ لحدٌ في سكينتهِ تقضي الحياةَ بناهُ اليأسُ والوجلُ
وفي العزيمة قواتٌ مُسخرةٌ يخِرُّ دون مداها الشامخُ الجبلُ
صخر محمد حسين العزة
عمان- الأردن
14 / 3 / 2022

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق