شُبهات ومهازل في مواقع التواصُل
أجمل ما في الزهور بتلاتها وأوراقها الندية الجميلة ، وأروع ما فيها عبق روائحها العطرة التي ننتشي برائحتها وتملؤ الصدور بعبقها وأريجها الفواح ، ولكن ما يُعكِّر هذا الجمال هو الأشواك التي تُحيط بهذه الزهور حين قطافها وقد تخدشُ يدَ قاطفها ، وكذلك الحال في العُلاقات الإنسانية التي تكون مُنزهة عن كُلِّ شائبة ، فما أجمل العُلاقات التي تكون صادرة من نفسٍ صادقة وروحٍ تواقة للخير ، ومن نفسٍ ليست أمارةٌ بالسوء ، وبقلوب مُحبةٍ صافيةٍ بعيدةٍ عن الرياء والنفاق والدجل والخبائث والمجاملات الكاذبة .
ما أود طرحه هو موضوع مهمُ وخطير هو وسائل التواصل الإجتماعي بكُلِّ أشكالها وأنواعها ، وربما أجد من يتعارض مع ما أطرحه ويحتجُّ على ما أنا بصدده
فمع توسع الحياة وتطورها ودخول التكنولوجيا أصبح العالم عبارة عن قرية صغيرة فبكبسةٍ صغيرة على زر هاتفك تعرفُ أخبار العالم وأنت في مكانك ، وبكبسة أُخرى تنقُل مشاعرك وأحاسيسك إلى مُحبيك وأصدقائك من فرحٍ أو ترح ، ولكن هل نحنُ نُحسن استغلال هذه النعمة التي منحها الله لنا بشكلها السليم بعد أن منحنا العقل والفكر لنُحسن اختيار وفرز الغث من السمين .
إنَّ وسائل التواصل الإجتماعي لها وجهان ؛ وجهٌ إيجابي وهو نقلُ المعرفة والعلوم النافعة وتسيير الأعمال بين بعضنا البعض والوجه الآخر الوجه السلبي ، وهو الذي سيكون ما أكتب وما أنا بصدده ، فهذا الوجه الذي يمتلئ بالخُزعبلات والتشويه والأخبار الكاذبة والمدسوسة التي ترِدُ لنا من كّلِّ حدبٍ وصوب بدون أن نُمعِن النظر والتمحيص فيها وما وراء بعضها من أهدافٍ ونوايا خبيثة ، فمنها ما هو مُتعلقٌ بأمور إجتماعية ومنها أمور سياسية ودينية ، فمن الناحية الإجتماعية نجد المُجاملات والنفاق بين الناس أو الطعن في شخص والتشهير به أو من ينشرُ غسيله على وسائل التواصل الإجتماعي بكُلِّ أنواعها ومن صور ذلك من ينشر متغزلاً ومادحاً زوجته ووفاءَها له وآخرون ينشرون صور موائد طعامهم وما لذ وطاب عندهم ويتناسون أنه يوجد أُناسٌ لا يجدون قوت يومهم ، ومن الصور الأخرى من يصور موائد إفطاره في رمضان أو من يذهب لأداء مناسك الحج أو العمرة ويصور نفسه صور ذاتية بما يُسمى ( سِلفي ) فهل أنت ذاهبٌ لتغسل ذنوبك وللتعبد أم ذاهب في نزهة ترفيهية وتريد أن تظهر نفسك للناس أنك التقي الورع ، فما تقوم به من شعائر دينية هي بينك وبين ربك جلَّ جلالُه، أوهناك من يصور نفسه وهو يقدم مساعدة لأسرة أو شخص محتاج ، فمن يعمل المعروف لا حاجة أن يظهر ويتباها بذلك أمام الناس ، ومن الأمور التي أستهجنها في وسائل التواصل الإجتماعي بأنواعها أن تجد صِبية ومُراهقين أولاداً وبناتاً ينشرون المواعظ والحِكم والنصائح وتجاربهم الشخصية في الحياة وكأنهم عاصروا سيدنا نوح عليه السلام
ومن الأمور الأخرى المُعيبة في وسائل التواصل الإجتماعي من ينشر أعمال أدبية وينسبها لنفسه وهو مقتبسها وناقلها كُلها باسمه أو من يكون عضوا في إدارة منتدى مُعين ويقوم بأعمال تُخل بالأمانة والمصداقية والغدر بمنتداه الذي كان له فضلٌ عليه ،وكذلك يوجد بعض الأعمال التي تُنشر في بعض المُنتديات والتي لا ترقى إلى مستوى الأدب ويكون فيها من الأخطاء الإملائية واللغوية ورُغم ذلك يتم إجازة نشرها وفي ذلك إساءة للمنتدى الذي نشرها قبل أن تكون إساءةً للغتنا العربية ، لغة القرآن الكريم ، ونجد من يُشيد ويمدح هذه المنشورات رُغم ركاكتها وضعفها والأخطاء التي تحتويها .
ولكن من أخطر وسائل التواصل الإجتماعي والتي وراءها أيادٍ مشبوهة تدُسُّ السُمَّ بالدسم ، وأصبحت سلاحاً للتضليل والتشكيك أو نشر أفكار متطرفة يكون لها الأثر السلبي الكبير على جيل الشباب الذين هم النسبة الأكبر في التواصل على مواقع السوشيال ميديا ويكون لها أثرٌ في زعزعة الإستقرار في السُلَّم المُجتمعي في مناطق مُتفرقة من العالم ، فهذه المواقع بقدر إنعكاساتها وإيجابياتها في الأمور الإنسانية والإجتماعية ، لكنها هي ملاذ للجهلة والمتطفلين والمشبوهين والذين لا يُحسنوا الإستغلال أو يسيئوا إستغلالها لأهدافهم الدنيئة فتكون أداة هدمٍ وتدمير بدل أن تكون أداةَ بناءٍ وتعمير ، فكثير من المنشورات والفيديوهات التي يُشير ظاهرها أنها تدعو إلى التمسّك بالدين كالمنشورات الذي تقول ان من يقرأ هذا الدعاء أو قراءة آية أو حديث عدة مرات فسيحدث لك أمرا عظيماً أو تُفتح لك أبواب الرزق ومنهم من يُقسم أغلظ الأيمان أن هذا حدث ومجرب وحصل معه أو مع فُلانٍ من الناس ، وهذه طريقة للتشكيك في الدين عندما لا يتحقَّق ما هو منصوصٌ فيها وهذه كُلها إسرائيليات ويوجد في إسرائيل في الجامعة العبرية قسم مُتخصص للدراسات الإسلامية وظيفته بثًّ سمومهم إلى المجتمعات العربية والإسلامية وتدعو إلى زعزعة الإيمان وتشويش المُعتقدات ، وكذلك زعزعة الثقة في الحكومات والقضايا المهمة في وطننا العربي والإسلامي ، فهي في ظاهرها خير ودعوة للصلاح وباطنها شرٌ وضلالٌ وفتنة وهي في حقيقتها كدسِّ السُم بالعسل ومن الأوجه الأخرى التي انتشرت في وسائل التواصل والقنوات الفضائية في أزمة جائحة الكورونا التي لم يجدوا علاجاً او حلاُ لها نجد الكثير من المُنظرين ، وأصبحوا أطباء وعلماء ولهم اكتشافاتهم في علاج الكورونا وكُلٍّ منهم يدلي بدلوه وينشرون وصفات واختراعات تقضي على الكورونا والتي عجز عنها حتى الآن عباقرة الأطباء والعلماء في العالم عن وجود علاج ناجعً لها ويضربون أخماسٍ بأسداس للحد منه وعلاجه ، ونجد من الجهابذة في وسائل التواصل الإجتماعية والقنوات الفضائية من يدعو إلى خُزعبلات ، ومثالٌ على ذلك ما نشره أحد عباقرتنا في إحدى القنوات الفضائية عن اكتشافه لعلاج يقضي على الكورونا بالفول المصري والزيت والليمون ، ويخرج جهبذٌ آخر باكتشافه لنبتة قديمة مثل الملوخية إسمها ( الشلولو ) يخلطها مع ليمون وثوم وملح يقضي بها على الكورونا ، وبهذا يقفُ العالم حائراً أمام نباغتهم ، فكفى خُزعبلات ولعب في عقول الناس البُسطاء
إنَّ استفحال وسائل التواصل الإجتماعي بدون ضبطها بقيود فهي عبارة عن أمورٍ تُشكِّلُ كارثةً تُهدد المجتمعات ، ويجب على كُلِّ فرد أن يتأكد ويتحرى عن أي موضوع يصله قبل نشره لأن فيه دمار للمجتمع ويجب على الجهات المسؤولة حماية المجتمع من وسائل التواصل الإجتماعي والعالم الرقمي الذي أخرجنا من الواقعية حتى أصبحنا نُصدِّق بسذاجة أي شيءٍ دون تفكير وتمحيص فما هو الهدف من نشر بعض الرسائل أو الفيديوهات دون معرفة ماهيَّتها ومصداقيتها ؟! وكأننا منومون مُغناطيسياً
خُلاصة مقالي هذا أستشهد بآية من كتاب الله الكريم التي تدعونا فيها إلى التثبُّت والتدقيق في أي معلومة أو خبرٍ قبل نشره ، وتدعو إلى الإلتزام بهذا الإرشاد الإلهي والذي يقضي على الأخبار والشائعات في مهدها ، ويُلزِم المؤمنين التأني ، ولا حين مندم قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأٍ فتبينوا أن تُصيبوا قوماً بجهالةٍ ، فتُصبحوا على ما فعلتم نادمين )
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
1/2/2022
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق