مهنة الذل
بعد استفحال ظاهرة التسول في العالم العربي ونمائها وتطورها وانتشارها في كل الأماكن والأزمان إلى أن باتت مهنة شبه منظمة وذات مردودية عالية يتصرف فيها ويقودها جمع من الفاسدين والمحتالين والمجرمين وسنوهم من سفهاء القوم وسفلتهم ، كنت يوما في جلسة في المقهى مع بعض الأتراب والأصحاب نتناقش ونتبادل أطراف الحديث من هنا وهناك ككل يوم في مثل هذا التوقيت الصباحي بعد تأدية صلاة الفجر جماعة في المسجد وشروق الشمس حين دخلت علينا فجأة إمرأة في الأربعين من عمرها على ما أعتقد وعلى ظهرها طفل محاط بعدة قطع من القماش البالي التي كانت تكبله وتمسكه من كل جانب حتى لا يسقط أرضا - لا قدر الله - وهي متسخة المنظر والمظهر والملبس ، سوداء الصورة رغم بياض البشرة ، شبه حافية بعد انتعالها لنعل قديم جدا متهرئا مفتوحا من كل جانب ، شعرها الأسود بارز من تحت حجابها البني وهي تردد دون ملل أو انقطاع أمام كل من يعترض سبيلها بصوت متذلل وشبه خافت لدفع السامع إلى التأسف والتعاطف معها واستمالته حتى يتفاعل مع طلبها الملح " لله يا محسنين ، لله يا أصحاب القلوب الرحيمة ارحمونا فقد شارفنا على الموت من الجوع والفاقة منذ أيام وابني مريض لا أقدر على مداواته ، لله يا أهل الخير جعله الله في ميزان حسناتكم..." وغيرها من العبارات والكلمات المرادفة الهادفة إلى الإستعطاف ونيل تآزر الناس وتعاطفهم ، فما كان مني إلا أن وضعت يدي اليسرى في جيب سروالي قصد التصدق بما تحمله يدي من نقود وهي أمامي تنتظر عطايانا وأموالنا ، فأمسك محمد بيدي بقوة ونظر إلي نظرة حادة وهو يقول بصوته الجهوري الصافي :
- قف عندك واصرف النظر عن هذا الموضوع ، تأن قليلا قبل الإرتماء في شباكها ومن يعمل معها
- (مقاطعا وقد احمر وجهي وشرعت في الغضب) اترك يدي يا محمد ، ما الذي تفعله ( وابعدت يده عن يدي بقوة وتصدقت بما كتب وهو مغتاظ والشر يتطاير من عينيه) ؟ أنا حر في مالي وفي صرفه أينما أريد وكيفما أشاء
- (محمد والعرق بدأ يتصبب من جبينه) القضية ليست قضية مال وصدقة ولا كيفية انفاق ما تكسب يا علي ، القضية أعمق من ذلك ، انصت إلي وستعرف المغزى من تصرفي ، وعلى كل حال المعذرة على ما أقدمت عليه واستحق ردة فعلك حقا (وهم بالنهوض قصد الانسحاب من المجلس حين مسكته من يده مبتسما في وجهه ) ، فمن تدخل في ما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه
- (مصباح وهو متقاعد من الوظيفة العمومية بصوته الحنون مهدئا) صلوا على شفيع الأمة يا جماعة وتعقلوا ، ما هذه الصبيانيات؟ ( مربتا علي فخذينا) لا إله إلا الله ( فواصلنا "محمدا رسول الله")
- (منتصر وهو متقاعد من القطاع الخاص ) دعونا نسمع الأمني السابق بماذا سيفيدنا في هذا الموضوع (مبتسما في وجه محمد -وهو اطار أمني متقاعد منذ سنتين - الذي قاسمه ذلك)
- (أنا بعد أن هدأت واسترجعت توازني وعقلي) أتحفنا يا محمد
- (وقد احمر وجهه وغضب مجددا) كف عن الإستهزاء يا علي وإلا سأغادر فورا ولن أجالسك مستقبلا
- ( أنا مقاطعا بشدة وجدية بعد أن ربتت على كتفه) والله لم أقصد شيئا يا محمد ، بالعكس أردت تحفيزك لتقص علينا ما في جرابك في هذا الصدد
- (مصباح مهدئا) يا جماعة ، يا جماعة تريثوا وارجعوا إلى صوابكم يهديكم الله...
وبقينا هنيهة في هذا السجال والدلال والأخذ والعطاء قبل أن نستجمع قوانا ونستغفر الله ونذكره مرارا وتكرارا لنرجع إلى الجادة فيقول محمد وكلنا آذان صاغية :
- أتذكر حين كنت في الخدمة منذ أربع أو خمس سنوات على ما أظن تغوغلت ظاهرة التسول في المجتمع فباتت تؤرق المواطنين وتزعجهم ، فكثرت الشكاوى والتظلمات ووصلت إلى الإحتجاجات مرة من المرات مما حدا بالإدارة العامة للأمن البحث في الموضوع والتدقيق فيه لفك ألغازه والقضاء عليه أو الحد منه في مرحلة أولى ، بما أننا حينها لم نكن نملك الكثير من المعطيات عن الموضوع ، فقد ارتأينا الإرتماء في حلبة التسول والاندساس بين أفراد الظاهرة لفهمها من الداخل وكشف أسرارها وخباياها
- ( منتصر مقاطعا - وهو المعروف بالتسرع وعدم الاعتراف بالصبر أو التعامل معه في أي موضوع من المواضيع - ) أوجز يا محمد وهات المفيد فقد مللنا من مقدمتك الجوفاء (والكل يضحك من تعليق منتصر) ، إن تركناك تهذي فلن تتمم الحديث قبل أسبوع (قهقهة جماعية)
- (أنا بصوت مسموع) ألا تغير من طباعك وسلوكك يا منتصر؟ ألا تتسلح بالصبر ولو لبعض اللحظات؟ ( وهو يشير باصبعه ب "لا") دعه يضعنا في إطار حكايته
- (مصباح ضاحكا) ما بالطبع لا يتغير
- (محمد مواصلا) فتم الإتفاق على الزج بمجموعة من الأعوان من الجنسين وسط المتسولين بعد تدريبهم على الحركات والكلمات المستعملة وانتقاء الملابس البالية والمهترئة وغيرها من "مستلزمات وآليات العمل" ، فاختيار الأماكن التي عادة ما يكثر فيها هؤلاء والتوقيت مع توفيرهم وحدات تدخل قارة في تلك الأماكن للتدخل الفوري عند كل خطر أو طارئ
- ( منتصر مقاطعا كالعادة) هات المفيد
- (محمد متجاهلا كلامه ومقاطعته له) وكنت أحد المشرفين على هذه العملية الخطرة الحساسة ، لذلك اقترحت أن ألج الميدان مثلهم فكان لي ما أردت
.ففي اليوم الموعود ، كنا على أرضية ميدان التسول إذ أخذت مكاني وسط متسولين جلسا قبالة بنك المدينة - بعد التنكر ولبس ألبسة تبعث على الاشمئزاز والتقزز - ، في حين جلست زميلتي واسمها منى في الشارع المقابل أمام باب المستشفى بين جمع من المتسولات -ولم أكد أتعرف إليها جراء التغيرات الطارئة عليها لولا اعلامي بذلك من طرفها قبل بداية المهمة - وتفرق البقية على عدة أماكن أخرى كالجوامع والمساجد والمؤسسات العمومية والخاصة وغيرها.
وحال جلوسي شعرت برجل تركلني وصوت خافت يهمس لي " ارحل من هنا يا هذا " ، فالتفت إليه لأتأكد أنه المتسول المحاذي لي ، فقلت له " ما الأمر لماذا تركلني؟" فأجابني بشدة وغضب " تنح عن هذا المكان وابحث لك عن غيره اتقاء شر السيد" ، فاستغربت وتظاهرت بالغباء " لم أفهم" ، فأجاب " قم من هنا ، انظر إلى الشخص الجالس في تلك السيارة الفخمة (مشيرا باصبعه إلى واحدة رباعية الدفع سوداء اللون فخمة للغاية وقد جلس خلف مقودها شخص أسمر البشر قبيح الوجه) اذهب إليه واطلب الاذن منه لتجلس هنا" ، فأجبته " ومن هو؟ ، فصاح " إنه صاحب هذا المكان وسيده" ، فقلت " لم أفهم"، فاغتاظ وكاد يضربني "يظهر جليا أنك مستجد في المهنة أيها القذر ، لا يمكن لأي متسول أن يتسول هنا إلا بعد الحصول على رخصة من السيد ودفع معلوم كراء المكان"، وواصلنا الحديث حتى اقتنعت أنه لا يمكنني العمل هنا دون ترخيص ، فتوجهت ل "السيد" الذي لم يشأ التحدث لي في البداية واحتقرني متظاهرا باللعب بهاتفه المحمول قبل أن يسألني عدة أسئلة ليتأكد من حسن نيتي وحاجتي للعمل - وقد كان محترسا من الأمن وشراكهم التي لا تخطر على بال أحد - فطلب مني معلوم اكتراء المكان بعد أن عرض علي معاليم الأماكن حسب قربها وابتعادها من الباب الرئيسي للبنك وزمن العمل وغيرها ، فوقع الاتفاق على توسطي المتسولين سالفي الذكر ودفعت له المعلوم الذي سيكون يوميا ثم التحقت بمكاني وشرعت في العمل مع البقية بعد الاتفاق على التداول في الطلب والالحاح فيه أمام الحرفاء لنتقاسم الأموال ونوفر مرابيح مرضية بعد طرح معلوم الكراء والحماية والحراسة - وهي معاليم تكميلية علينا دفعها لمن يحرسنا ويؤمن لنا عملنا ويسرع في اخفائنا عند الخطر - وغيرها من المراسيم والمعاليم الأخرى.
فيما خطت منى - وهي شابة في مقتبل العمر وذات قوام رشيق وجسد ملتهب - نفس الخطوات مثلي تقريبا قبل أن يعرض عليها أن تقضي وقتا ممتعا مع "السيد" في سيارته الفخمة ، فلم تمانع ولم ترفض ، وهي المعروفة بالذكاء والفطنة وسرعة البديهة ، حيث تحادثت معه وأعربت عن موافقتها مشاركته الجماع وأن هذا شرف لها وحافز لا تتحصل عليه كل المتسولات ، غير أنها لا يمكنها فعل ذلك الآن لمرضها اليوم وهي تعده بذلك حال التخلص من الحيض بعد أيام ، وهو ما استحسنه" السيد" وتقبله بصدر رحب حتى أنه أعفاها من دفع معلوم الكراء إلى شفائها من هذا "المرض".
- ( منتصر متلهفا) وما حصل؟ (والكل يقهقه)
- (محمد مواصلا رغم الضحك) بقينا كذلك ثلاثة أيام حتى عرفنا بقية أعضاء الشركة والشركات الأخرى العاملة في المدينة في هذا الميدان وأماكن اجتماعها وتجميع "العملة" وتوزيعهم صبحا ، وكذلك كيفية اكتراء الأطفال من أوليائهم مقابل نزر من المال - وهم أبناء فقراء المواطنين والمعدومين الذين يعانون الويلات من أجل البقاء - وكافة أساليب العمل ومناهجها وأطرافها المسؤولة وكل صغيرة وكبيرة...
- (منتصر مقاطعا) ما الذي حصل مع منى؟ (قهقهة جماعية)
- بالنسبة للعون منى يا منتصر فقد راودته عن نفسها بعد ثلاثة أيام واستدعته لمنزل منزو في أطراف المدينة - وقد اعد هناك كمين محكم له ولمن سيرافقه من أتباعه- فلم يرفض ولم يمتنع بل طلب منها المبيت هناك معها ، فطلبت منه استدعاء من يريد وستتولى جلب فتيات أخريات لهذا الحفل الجنسي الساخن ليقضوا ليلة حمراء ، فاستحسن الفكرة وعرض على كل تابعيه الموضوع -وكانوا يتجاوزون أصابع اليدين بعد أن علموا أن عدد الفتيات سيتجاوز العشرين- .
وفي المساء ، كان الجميع في المكان المحدد ، فكانت نهايتهم حين وقع القبض عليهم حالما ولجوا المنزل بحثا عن اللذة والجنس وقضاء ليلة حمراء انقلبت سوداء سواد أفعالهم وأقوالهم.....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق