السبت، 3 يوليو 2021

" أولاد الأصول "قصة قصيرة بقلم ا.د/ محمد موسى



القصة القصيرة

أولاد الأصول

الشعب المصري من شعوب الأرض ذات الحضارات الضاربة في عمق التاريخ ، ومن أوائل الشعوب التي دخلت إلى الإسلام ، ومن الشعوب العربية التي إحتضنت كل الثقافات العربية ، ولما أُحتلت من الإستعمار على مدار التاريخ هضمت ثقافاته ولم تتلون وتركها الإستعمار ، وهم شعوب ذات ثقافات تؤثر في الأخرين ولا تتأثر بالأخرين إلا قليل ، والقاهرة ظلت لسنوات أجمل وأنظف وأرقى من أكثر العواصم العالمية مثل باريس ولندن ، وقلدها الجميع حتى أن من قدر له الله السفر والتجول في بلاد العالم يجد إسم القاهرة في الكثير من بلاد العالم ، وفي اللغة العربية لدى المصريين تركيبات لغوية إنفردت بها الثقافة المصرية الحديثة ، من تلك العبارات اللغوية " أولاد الأصول " ، هذا المصطلح يطلق على المصري الذي يحترم نفسه ويحترم غيره ووعده ويحافظ على الأمانة ، وأكثر الأمانات التي عند المصري إبن الأصول هي المرأة الزوجة ، وقد يتعجب البعض من أن تعبير أولاد الأصول يطلق على الأغنياء وعلى الفقراء سواءً بسواء ، فهو تعبير عن حفظ الأمانه وليس عن مقدار الثراء ، وبطل قصتنا من الذين يطلقون عليهم أولاد الأصول ، فهو يسكن في حي باب الشعرية في القاهرة ، وقديماً كان للقاهرة أبواب تغلق ليلاً وتفتح صباحاً ، ومن هذه الأبواب باب البحر وباب الحديد وباب زويلا وباب الخلق وباب الفتوح وباب النصر ، وكذلك باب الشعرية وهذا الحي يمتاز عند المصرين بوجود مسجد سيدي الشعراني وهو من الأقطاب ويمُت بصلة إلى المغفور له بإذن الله الموسيقار محمد عبد الوهاب ، والذي تمثاله النحاسي يتوسط الميدان ، يسكن هذ الحي بعض المصريين من متوسطي الحال ، وإن كان هو من الأحياء التجارية والتي تمتاز بتجارة المواد الغذائية والخضروات ، وأحد تجار هذا الحي بطل القصة التي تزوج من إبنة كبير التجار في الحي ، وكان أبو العروس تاجر ثري وكريم على الأخرين ، ولما زوجه إبنته طلب منه شيئاً واحداً أن يحسن عشرتها فهي يتيمة الأم منذ الطفولة ، وتزوجها وبعد وقت قليل توفى أبو العروس ، وجاء تجار الحي للمطالبة بأموال لهم عند أبو العروس ، الذي كان قد تعرض لهزة في السوق أفقدته الكثير مما يملك فقام زوج الإبنه ، برد كل ما كان على أبو العروس ، وكان له شرطاً واحداً ألا تعلم زوجته عن حالة والدها شيء ، ويظل إسم أبوها فخراً لها ولأحفاده من بعده ، وكانت قد أنجبت له 4 بنات ثم الخامسة ثم السادسة ، وفي بعض أوساط المصريين خصوصاً من له جذور صعيدية أو جذور تنتمي إلى الريف ، الولد يمثل شيئاً أساسياً وإلا يبحث الزوج إن لم تأتي له الزوجة بالولد عن أخرى ، وهذا الأمر مخالف للعلم حيث ثبت أن نوع المولود ذكراً كان أم أنثى يحدده الرجل لا المرأة (المرأة XX أما الرجل XY) وبدون تفاصيل ، وأتسعت تجارة الزوج ، ولأنه من صعيد مصر وأصبح واسع الثراء ، سمع من أهله وكذلك من أصدقائه كلام عن ضرورة الزواج من أخرى لكي تنجب له ولد ، حتى لا تضيع كل هذه الثروة وتذهب إلى الغرباء ، وزاد الإلحاح له وزاد أصراره على أن هذه الزوجة أمانة قد جعلها كبير التجار أبوها عنده ، وأبداً لن يكون سبباً في عدم الحفاظ على وعد أبوها يوم زواجه ، حتى الزوجة قالت له مرة فالتتزوج وتجرب حظك مع أخرى ، إلا أنه قال لها إن لم يرزقني الله بالولد ، فسوف يرزقني من بناتي بعد زواجهن ، وكبرت البنات وفي بعض الأوساط الشعبية المصرية زواج البنت مقدم كل شيء حتى على تعليمها وتزوجت البنت الأولى والثانية والثالثه والرابعة ، ويشاء الله أن كل البنات قد أنجبن ذكور ، ثم دارت الأيام وهو على فراش المرض الذي كان هو النهاية له جلست بجانبه زوجته ، وقالت له أنت من أهل الجنه وأنا سأطلب من ربي لك الجنه جزاء رعايتك للوعد والأمانه ، ويكفي أنك لم تغضبني مرة وأحسنت عشرتي وأحسنت تربية بناتك ، ولأول مرة أخبرته أنها تعلم ماذا فعل للحفاظ على سمعة أبيها وتسديده لكل الديون ، وقبلت يده وقالت له فعلاً أنتَ إبن أصول.

ا.د/ محمد موسى


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( الغوص في الأعماق )) بقلم الشاعر محمد فراشن \ المغروب ـ أزمور

الغوص في الأعماق.../... بحجم خرم ابرة.. فتحت نافذة.. في سماوات قلبي.. كي أرى مدن الفطرة.. ركبت براق خيالي.. وحلقت بعيدا.. في سحيق المجرة.. ر...