الخميس، 11 مارس 2021

قصة بعنوان ( آشين ) بقلم الأدبي فادي زهران



( آشين ) / قصة :
" لا تكُن مثل صاحب العربة الّذي تخلّى عنّي و رفض مساعدتي ، و إلّا لن ترَ الخير بعد اليوم ! " ، هذه الجملة أثارت قلق أبو عارف و جعلته ينتفض بشدّة ، فما السّبب يا ترى و ماذا حدث مع أبي عارف ؟!
لنقرأ معاً :
أبو عارف رجل في منتصف الأربعينات متواضع متصارح مع نفسه في هذه الحياة ، يعمل بائع عربة فواكه صغيرة ، يعيش مع زوجته وحدهما في بيتهما البسيط ، ابنهما الوحيد يعمل مندوب مبيعات و هو متزوّج و قد انتقل للعيش في مدينة أخرى مع عائلته ، كان أبو عارف يقصد سوق الخضار و الفواكه باكراً بشكل يوميّ لكي يحصل على بضاعة طازجة لعربته ، فما يتبقى معه من فواكه يحضره إلى البيت أو يعطيه لبعض العائلات مجاناً ، ربّما يقول عنه البعض أنّه رجلٌ ساذج ، لكنّه كان يحبّ العطاء ، و من صفاته الإخلاص و الصّدق ، لم يكن أبو عارف يعرف للطّمع عنوان ، لا يهمّه مقدار ما يكسبه ، يؤمن بأنّ رزقه مكتوب و سيعرف طريقه دون جهد أو عناء ، مع الأخذ بالأسباب بحسب ما يستطيع ، فالرّزق و المَوت لن تهرب منهما مهما ركضتَ أو اختبَأت .
في أحد الأيّام الباردة خرج أبو عارف باكراً جداً يقصد رزقه ، لم يكن ضوء الصّباح قد امتدّ بعد ، لكن نفَحَات الفجر الجميلة قد انتشرت في الآفاق ، زقزقات العصافير تُنبئ بميلاد يوم جديد و تجعل القلب مليئاً بالأمل و التّفاؤل ، و أبو عارف ذلك الرّجل العصاميّ ذهب إلى سوق الخضار و الفواكه ، دخل إلى البوّابة الرئيسيّة ، سلّمَ على البائعين ، نصحه أحدهم بأن يتجوّل في حارات و طرق مختلفة كل يوم ، اشترى بضاعته بسرعة حتى يكسب النّهار من بدايته ، تسلّل ضوءُ الشّمس الذّهبي بين جنبات الطّريق ، كانت الطّرق ما زالت فارغةً بعض الشّيء ، أوقف أبو عارف عربته بجانب أحد الشّوارع في طريق مختلفة لم يقصدها مسبقاً ، كان يراقب تحرّكات المارّة الّتي بدأت تنشط تدريجيّاً ، قطط تمشي بين الأزقّة باحثة عن أيّ طعام ، سيارات تسير كان معظمها سيّارات أجرة تقصد رزقها ، طلّاب مدارس يسيرون إلى مدارسهم طالبين العُلا للنّجاح في مستقبلهم ، أصحاب المحلّات يشرعون في فتح الأبواب ، مضى وقتٌ ليس بالقليل على انتظار أبي عارف حتى يبيع أيّ شيء من الفاكهة ، و بينما أبو عارف شارد الذّهن يفكّر في حياته و أحواله ، تفاجأ بإحدى السّيّدات أصبحت أمامه دون مقدّمات ، كانت امرأة في الثّلاثينات من عمرها ، ترتدي رداءً أسوداً طويلاً مليئاً بالتّراب ، على عنقها تضع وشاحاً أحمراً ممزّقاً باهتاً لونه ، ترتدي ساعة مكسورة مرصّعة بالألماس ، عيونها واسعة رماديّة و بياض العيون يميل إلى الاحمرار الشّديد ، بدا وجهها شاحباً جداً و يظهر عليه الإجهاد الشّديد ، الدّموع على وجنتيها ، شفاهها متشقّقة زرقاء ، باتت ترتجف بشدّة ، ذُعِر جداً أبو عارف عند رؤيتها ، كانت مبعثرة التّركيز ، فََتَحت فمَها للتّحدّث ، لم تكن الكلمات تودّ أن تتنازل و تسعفها و تخرج ، و من بكائها الشّديد فَهِمَ أبو عارف أنّها تعاني من مصاب جلل ، حاول تهدئتها ، وضع لها كرسيّ حتى تجلس و تتمالك أعصابها ، الخوف و الفزع هما عنوان تفسيرات وجهها الذّائب ، تشجّعَت أخيراً و تصالَحت مع الحروف الّتي وافقت على تركيب كلمات و جمل مفيدة ، " أنقذني منه يا عم ! ، أرجوك ، فأنا لا أستطيع الاحتمال أكثر من ذلك ! ، إنّه يتبعني " ، هذه هي العبارة الوحيدة الّتي استطاعت آشين نطقها ، و آشين هو اسم المرأة الّذي استطاع أبو عارف معرفته بصعوبة ، و هو بمعنى ( الألم ) ، عندها طلب منها أبو عارف أن تحاول الهدوء ، سكتت قليلاً ، أحضرَ لها أبو عارف كوب شاي ساخن حتى تدفئ حبالها الصّوتيّة الّتي أبَت أن تترك الحروف تتحرّك بسهولة بينها ، عرض عليها أن تذهب لكي تجلس مع زوجته حتى تُخبرها بما تعاني منه دون حرج ، لكنّها كانت تُحرّك رأسها رافضة أيّ اقتراح ، فزع شديد يبدو على وجهها ، كأنّها رأت وحشاً للتوّ ! ، استمرّت آشين جالسة على الكرسي بعض الوقت ، انشغل أبو عارف ببيع الفواكه ، لكنّه خشي أن ينتقده أحد من النّاس بسبب المرأة الّتي تجلس بجانب عربته ، الغريب أنّه لا أحد من الزّبائن قد لاحظ وجود المرأة ، و لم يسأله أحد عنها ، و هذا ما أدهش أبو عارف ، كان أبو عارف يراقب المرأة بين الحين و الآخر ، التَّوتر و القلق يسيطران على محيّاها ، تجمّع المشترون حول عربة أبي عارف ، و ما أن انتهى أبو عارف من بيعهم ، حتى وقع نظره على الكرسي فلم يجد آشين ، اختفت المرأة نهائيّاً ، حاول أن يسأل النّاس في الشّارع ، لكن لم يستفد شيئاً ، أخبره الجميع بأنّهم لم يرونها ولا يعرفونها ، أصيب أبو عارف بالحيرة الشّديدة ، كان قلقاً جداً بسبب حالة آشين ، تلك المرأة الّتي استنجدت به ، بات يلوم نفسه لأنّه لم ينتبه لها ، أمضى بقيّة يومه حتى باع بضاعة عربته ، و كان شارد الذّهن يبيع دون أن ينتبه للتفاصيل أمامه ، عاد إلى بيته ، لاحظَت زوجته أنّه منشغل البال ومتوتّر ، أخبرها أنّه متعب جداً ، مضى اللّيل ثقيلاً على أبي عارف ، خاصّةً بعدما هاتفه ابنه عارف يخبره باستقالته من الشّركة التي كان يعمل بها بسبب مشاكل حدثت في العمل ، كان أبو عارف حزيناً جداً على ما حدث مع ابنه .
استيقظ أبو عارف ، خرج مسرعاً ، وضع عربته بجانب إحدى الطّرق ، كان يفكّر بشدّة في تلك المرأة ، و فجأة شاهد امرأةً تسير و هي مسرعة و كانت تشبه مواصفات آشين ، ترتدي مثل ملابسها ، لحق بها أبو عارف ، و ما أن اقترب من الوصول إليها حتى وجد نفسه بين مجموعة أشخاص يتشاجرون ، عندها أضاع أبو عارف المرأة ، مضى بقيّة اليوم عاديّاً ، و اللّوم زاد عند أبي عارف ، عاد إلى بيته في المساء ، تناول عشاءه على مضض ، هاتفه عارف و اطمأن على صحتّه هو و والدته ، أخبره أنّه لحسن الحظ عاد إلى عمله بعد حلّ الخلاف ، سُرّ أبو عارف بما سمعه ، لكن ما أثار دهشته هو الكلام الّذي أخبره به عارف بعد ذلك : " يا أبي ، رأيتُ اليوم في السّوق امرأة شابّة ترتدي رداءاً أسوداً طويلاً و على عنقها تضع وشاحاً أحمراً ، بدا وجهها مخيفاً للغاية كأنّها خرجت من القبر للتوّ ! ، كانت تطلب المساعدة مني ، لكنّها اختفت تماماً بعد أن أدَرتُ وجهي عنها عندما طلبتُ منها انتظاري حتى أنتهي من شراء الحاجيّات ، لكن أذكر أنّها ردّدت عبارة واحدة استمرّت في قولها طيلة تواجدها أمامي : " لا تكُن مثل صاحب العربة الّذي تخلّى عنّي و رفض مساعدتي ، و إلّا لن ترَ الخير بعد اليوم ! " ، و قد أثار كلامها حيرتي و استغرابي " ، طلب أبو عارف من ابنه أن يصف شكلها فوصفه ، تبيّن أنّها آشين نفسها ، ذُهل أبو عارف ، و أكثر ما أثار فزعه هو جملة آشين : " لا تكُن مثل صاحب العربة الّذي تخلّى عنّي و رفض مساعدتي ، و إلّا لن ترَ الخير بعد اليوم ! " ، فقد عرف أبو عارف أنّه هو المقصود ، باتَ قلقاً طوال الوقت ، كان يتخيّل آشين دائماً ، أصبح ينتظر باكراً في الطّرقات و بدون أن يهتم لعربته ، لعلّه يلقى تلك المرأة ، يريد أن يبرّر لها ، مرّ اليوم الأول ، فالثّاني ، فالثّالث ، ...فالعاشر ، حتى أتمّ أبو عارف شهراً كاملاً في انتظار أن يلمح آشين ، و كان بيعه قد انخفض كثيراً ، و بعدها انقطع عن البيع مدّة ليست بالقصيرة ، فقد بات خائفاً على عائلته من أيّ مكروه قد يصيبها .
في أحد الأيّام بينما أبو عارف جالس في بيته يفكّر بضرورة العودة إلى عمله برغم عائده القليل ، و كان ابنه عارف في زيارة إليهم ، أخبره عارف أنّه قد قرأ و سمع قبل فترة أنباءً كثيرةً من مصادر مختلفة عن اختفاء سيّدة ثريّة و زوجها في نفس مدينتهم في ظروف غامضة ، حيث شوهدت المرأة في المرّة الأخيرة برفقة زوجها متوجّهين إلى أحد المطاعم ، لكن جيرانهم رأوا زوجها قد عاد وحده إلى البيت ، و عند سؤال إحدى صديقاتها عنها اسمها وداد كان الارتباك يسيطر على وجه الزّوج ، و أخبَرها أنّها أرادت تغيير الجو فتركها عند بيت أهلها ، لم يرَها أحد قطّ بعد ذلك ، و مَضَت الأيّام ، و اختفى بعدها الزَّوج ، و عند سؤال أهلها عنها قالوا بأنّهم لم يشاهدونها منذ فترة طويلة ، و ظنّ الجميع أنّ زوجها الّذي اختفى بعدها هو من قتلها أو أخفاها ، و بقيت الحكاية محيّرة للجميع ، عندها انتفضَ أبو عارف كثيراً و أخبَره قلبُه بأنّها هي آشين ، فالقلب هو البوصلة الحقيقيّة ، و كان الجميع يتكلّم عنها بلقب ذات الرّداء الأسود ، و هو ما كانت ترتديه في المرة الأخيرة قبل اختفائها .
قرّر أبو عارف في اليوم التّالي البحث عن منزل آشين ، خرج باكراً ، سأل النّاس عن تلك الحادثة ، أخبروه بأنّهم سمعوا كثيراً عن اختفائها منذ فترة لكن لم يصل أيّ أحد إلى نتيجة ، حتى أنّ مركز التّحقيق الذّي حقّق في الحادثة طوى الصفحة بعد بحث طويل ، فلا وجود لأيّ جريمة بسبب عدم وجود أيّ جثّة ، و لم يعد أيّ أحد يفتح الموضوع ، دلّوه على البيت لكنّهم نصحوه بعدم الذّهاب و خاصّة إن كان وحده ، أصرّ أبو عارف على الذّهاب ، كان المنزلُ مهجوراً ، لم يستفد أبو عارف أيّ شيء من الذّهاب إليه ، فلم يجد أحداً يستقبله سوى غبار و رمال يغطّي الجدران و الأبواب و النّوافذ ، كأنّ البيت كان غارقاً تحت الرّمال ، و التقى بمجموعة غربان من شدّة ترحيبها به كادت أن تنقر رأسه ! ، مشى في الحديقة ، كانت أصوات الصّراخ و النّحيب منتشرةً في أرجاء المكان ، بات وجهه قالب ثلج و خالياً من الدّماء ، شعر بازدياد الأصوات تدريجيّاً ، لاحظ ظلالاً سوداء تحوم حوله لدرجة أنّ أحدها لمس يده ، و بعدما نظر أبو عارف إلى يده وجد طبقة الجلد تكاد تذوب ، عندها سيطر الرّعب على أبي عارف ، و ركض هارباً بين الأصوات الّتي باتت تتعالى و تصرخ ، تشكو و تطلب النّجدة ، تبكي و تتوسّل ، ليخرج من البوابة الرّئيسيّة ، بعدها رأى رجلاً كبير السّن يتقدّم من بعيد ، و ما أن وصل حتى صرخ صوتاً مرتفعاً في وجه أبي عارف قائلاً : " هل دخلتَ إلى هذا البيت ؟ ، أتمنّى أن تكون لم تدخل إلى هذا البيت " ، عندها ارتبك أبي عارف و قال بتردّد : " مَ.. ، ماذا ؟! ، لا ، لم أدخل إلى هذا البيت ، لكن لماذا تحذّرني منه أيّها الرّجل ؟ " ، عندها ردّ الرّجل بعصبيّة شديدة : " لا تسأل أيّها الفضوليّ ، و الأفضل أن تنسى الموضوع ، إيّاك و الدخول ، فالأذى بكل حالاته موجود هناك ( و أشار إلى البيت ) " ، عندها غادر أبو عارف المنطقة ، ليعود صفر اليدين دون نتيجة ، و كانت يده تؤلمه ، فالجلد بات يذوب كالشّمع ، استمرّت الدّهشة تسيطر على أبي عارف ، فكّر طويلاً ، قرّر نسيان الموضوع أو على الأقل تناسيه ، التفت لعمله ، و في أحد الأيّام بينما أبو عارف يرتّب بضاعته على العربة في إحدى الطّرق ، ليتفاجأ بوجود آشين أمامه ! ، لكنّها كانت مختلفة هذه المرّة ، كانت الابتسامة العجيبة تسيطر على مُحيّاها ، لون السّماء في عيونها ، شفاهٌ لونها هو الدّماء ، بشرتها نضرة ، ترتدي رداءً أسوداً طويلاً نظيفاً تفوح منه روائح العطور الزّكيّة ، على عنقها تضع وشاحاً أحمراً راقياً نظيفاً ، تضع في يدها ساعةً جميلةً شديدةَ اللّمعان و الأناقة و مرصّعة بالألماس ، بدا وجهها صافياً جداً ، كانت في منتهى الهدوء و الرّقة ، طلبت منه شراء فاكهة اسمها فاكهة الخبز ، و هي فاكهة غريبة سميّت بهذا الاسم بسبب رائحة رقائق لب هذه الفاكهة بعد خبزها الّتي تشبه رائحة الخبز تماماً ، استغرب أبو عارف من طلبها ، ففاكهة الخبز هو نوع من الفاكهة لا ينمو إلّا في مناطق معيّنة ، لكنّها أخبرته أنّها لم تعرف غير هذه الفاكهة في المنطقة الّتي تعيش فيها منذ فترة من الزّمن ، حاول أبو عارف أن يستفسر منها عن المرّة السابقة الّتي جاءت فيها إليه ، لكنّها أنكرت ذلك تماماً ، بَل أنّها أنكرت أنّها قد جاءت إلى هذه المنطقة مسبقاً ! ، أُصيب أبو عارف بالحيرة الشّديدة ، خشي أن يُكذّب المرأة ، بسبب خوفه من زيادة حقدها ، الحيرة تسيطر على أبي عارف ، فهو متأكّد بأنّها هي نفسها ، و هي تستمر بالإنكار ، قالت المرأة : " كنتُ أُفكر بأن أشتري جميع الفواكه الموجودة على عربتك ، لكن للأسف ليس معي أي سيّارة حتى أحملها عليها ، و ليس من المنطق أن أسير بها في الطّريق ، فلا أستطيع جرّها حتى ! " ، علِمنا أنّ أبا عارف قنوعٌَ جداً ، لكن لا مانع من استغلال الفرص ، اقترح أبو عارف أن يقود العربة و إيصال البضاعة إلى بيتها بعد إعطائه العنوان من قِبَلها ، رحّبت المرأة بالاقتراح ، سبقته و اختفت بسرعة ! ، حاول أبو عارف أن يسير على نفس الطّريق الّتي أعطته إيّاه المرأة ، و ما زال على يقين بأنّ تلك المرأة هي آشين نفسها ، لكنّه قرّر مجاراتها لعلّه يصل إلى الحقيقة ، كان العنوانُ مختلفاً عن عنوان البيت الّذي ذهب إليه مسبقاً ، وصل ، دخل إلى البوّابة ، عندها تغيّرت المشاهد حوله وتبدّلت التّفاصيل أمامه ، تفاجأ بأنّه نفس البيت لكنّه ظهر بِحُلّة جديدة و بصورة أجمل ، صُدِمَ برؤية آشين ممدّدة على سجاد أزرق ، كان وجهها يتجه للجهة الأخرى ، عرفها من مواصفاتها و ملابسها ، تقدّم نحوها محاولاَ إيقاظها ، و بعد صعوبة بالغة التفتت نحوه و كانت بمظهرها المخيف الّذي ظهرت فيه أول مرّة ، شعر أبو عارف بالرّعب الشّديد ، دقّات قلبه باتت مسموعة بوضوح ، تجمّدت حركته ، الفضول و الخوف يتسابقان للفوز بقراره ! ، لكن ما حدث بعدها لم يعطه الوقت الكافي لتحديد قراره ، ظهرت آشين أمامه بشكل غريب يحبس الأنفاس ، حركاتها غريبة ، كحركات القرود الّتي تتنقّل بين الأشجار ! ، يمنة و يسرة ، سريعةً تارّةً ، و بطيئة تارّةً أخرى ، أنفاسها مثل فحيح الأفعى ، لكنّ دموعها كانت تملأ وجنتيها ، أخبرته أنّها كانت امرأة غنيّة جداً ، و زوجها يحبّها و يدلّلها ، و أخبرته أنّها قد خُطفت من قِبل أشخاص مجهولين قتلوا زوجها بعدما أخلف بوعده و أتى لكي يبحث عنها ، و قاموا بحبسها في جزيرة مهجورة ، و قالت له : " عندما كنت في بيتي كنت آكل فاكهة الخبز ، كان زوجي يحضرها لي مستوردة من بلادها الأصليّة الّتي تنمو فيها ، مذاقها ما زال في فمي ، و فَرِحتُ جدّاً بعدما وجدتها في تلك المنطقة الغريبة ، لأنها الشّيء الوحيد الّذي عرفته و استسغته من بين جميع النّباتات الغريبة الّتي كانت موجودة حولي في تلك الجزيرة البعيدة " ، و وضَعَت يديها على وجهها ، كانت يداها تقطر شمعاً ، برغم خوف أبي عارف إلّا أنّه تعاطف و رقّ قلبه لآشين ، حاول تهدئتها ، كان بكاؤها هستيريّاً ، مدّ يده محاولاً أن يربت على كتفها ، تفاجأ بضحكة غريبة من آشين ، بعدها أزالت آشين يداها عن وجهها ، كان وجهها هو وجه وحش عجيب مخيف ، عيون تلمع و شعاعها قويّ للغاية ، فم واسع و أسنان بارزة حادّة كالمنشار ، هو مزيجٌ بين الذّئب و التمساح ! ، جنّ جنون أبي عارف ، تجمّد في مكانه من هَول الصّدمة ، كان وجه الوحش يتلوّن و يتبدّل ، من تمساح إلى ذئب إلى ضبع سفّاح ، بات يحدّق في أبي عارف ، كاد الشّعاع أن يفقده بصره ، لدرجة أنّ أبي عارف وضع يديه على عينيه و ظل يصرخ و يقول " لا تنظر إليّ ، أتركني أرجوك " ، و حاول الهروب لكن قدميه لم تسعفاه ، ضحك الوحش كثيراً ، و أخبره أنّه قد ابتلع الطّعم ! ، وتمّ جرّه إلى هذا المكان ، و قال له : " لا تكُن مثل صاحب العربة الّذي تخلّى عنّي و رفض مساعدتي ، و إلّا لن ترَ الخير بعد اليوم ! " ، هل سمعت هذه العبارة من قبل ؟ " حرّك أبو عارف رأسه بالإيجاب " عندها ارتفعت أصوات ضحكات الوحش بشكل غريب ، و الدّهشة تزداد عند أبي عارف ، قال الوحش : " هذه عبارتي ! " ، استغرب أبو عارف ، تابع الوحش المخيف : " نعم هي عبارتي ، فقد صادفت شاباً في السّوق ، طلبت مساعدته لكنّه رفض ، ربّما هي عادةً قد اكتسبها من والده ، يا لجحدان هذه العائلة ! " ، تلعثم أبو عارف ، فهو يعلم بأنّ الوحش يقصده ، لكنّه استغرب كيف علم هذا الوحش بما حدث مع ابنه ، خشي من البوح بأيّ شيء ، فعيون الوحش صاحب الملامح الغريبة تدبّ الرّعب في قلب أيّ أحد يراه ، قام الوحش بإبراز أنيابه الحادّة و انقضّ على أبي عارف ، و ما أنّ اقترب من وجهه ، و اللّعاب يسيل من أنيابه ، شعر أبو عارف بدنو أجله ، أغمض عينيه ، بعدها بثواني فتح عينيه ، وجد نفسه مقيّداً بأسلاك فولاذيّة شديدة ، لم يتمكن أبو عارف من تخليص نفسه ، كان الألم يشتد كلّما زاد إحكام الأسلاك ، بعدها بأيّام شاهد أبو عارف أمامه لوحة إلكترونيّة بيضاء يظهر فيها امرأة يبدو عليها ملامح الثّراء ، كانت سعيدةً تسافر و تتنقّل مع زوجها من بلد إلى بلد ، كما شاهدها تتناول العشاء في أحد المطاعم مع زوجها ، بعدها تغيّرت إضاءة المطعم من لونها الأبيض إلى اللّون الأخضر ، و شاهد أحد الأشخاص بملامح غريبة مخيفة يقوم بسحب المرأة و زوجها عن طريق يداه الطويلتان عبر الأفق ، بعدها انتقلت الرّؤية إلى إحدى الجزر النّائية الغريبة ، كانت النّباتات الملوّنة تكسوها ، البكاء الشّديد هو رفيق آشين الوحيد في هذا المكان ، كانت شيئاً فشيئاً تستأنس المكان ، و عندما شعرت بالجوع لم تجد أيّ شيء يمكن أن تستسيغه من بين جميع النّباتات الغريبة ، عانت كثيراً بسبب المذاق الغريب و السّيّء لكل من تلك النّباتات و كان الجوع يضيّق الخناق على معدتها ، لتجد بالصّدفة فاكهة الخبز ، فرحت كثيراً ، عرَفَتها ، أكلت منها ، عندها تأكّد أبو عارف من كلام آشين الّتي جاءته بمظهر جديد ، و بينما أبو عارف يتأمل المكان الغريب ، جاءته رسالة عبر هاتفه النّقّال تخبره بأنّ ابنه عارف قد اختفى ، كما أخبرته الرّسالة بعبارة أخرى تقول : " و بما أنّك أب حنون ستتبع ابنك في المصير ، فلن نتركك تفتقده كثيراً ! " ، زاد الرّعب عند أبي عارف ، شعر بازدياد السّواد حوله ، شعر بنفسه داخل متاهة مظلمة ، أصبح يتخبّط في الظّلمات ، وجهه مليئاً بالكدمات و الدّماء من كثرة اصطدامه بالحواجز غير المرئيّة ، و ضحكات مستفزّة تسيطر على المكان ، و ما زاد خوفه هو تلك الضّربات على كتفيه و وجهه ، قابلها بالصّراخ الشّديد ، بعدها ظهر ذلك الوحش بحجم أكبر و بمظهر مخيف أكثر من السّابق ، أطلق ضحكةً مستفزة و قال : " لقد وقعتَ في الفخ مثل فأر مسكين ، و ستلقَ حتفك بعد إيضاح الصورة ! ، حسناً أرى أنّك سئمتَ من المفاجآت ، لننتهِ من ذلك إذن ، تفضلي يا سيدتي ! " ، عندها جاءت من العدم امرأة بفستان مزركش ، و قالت : " أنا وداد ، نعم أنا وداد تلك المرأة الغنيّة الجميلة " ، و أطلقت ضحكة مرتفعة الصّوت ، تابعت وداد الحديث : " و أنت أيّها الفضوليّ ، ألم تخشَ على نفسك ؟ ، أو على عائلتك على الأقل ؟! ، يبدو أنّك عنيدٌ جداً ، و قد أقحمتَ نفسك في ما لا يعنيك ، و ستحاسب على هذا الفضول ، كنتُ قد عرفتُ امرأةً غنيّة كانت تعاني من عقلها المتقلّب ، و لأنّني أحب أن يكون كلّ شيء في مكانه المناسب ، رأيتُ أن أتصرّف بسرعة ، ذهَبتُ إلى منطقة بعيدة نائية ، و طلبتُ من أحد السّحرة أن يُلهمني بطريقة فعّالة حتى أُنقذ صديقتي ، نعم هي صديقتي للأسف ! ، أردتُ إنقاذها من شرور نفسها ، و خشيت عليها من نفسها الأمّارة بالسّوء ، فقام بإرسال أحد المخلوقات الجميلة ، و تمكنّا أخيراً من القضاء على نفسها الأمّارة بالسّوء نهائياً ، لكن يبدو أنّ نصيبك قد قادك إلينا ، فقد أراد صديقي المخلوق الجميل أن يلهو و يذهب بين الطّرقات بعد الاتّفاق بيننا حتى نجد أيّ شخص يكون طُعماً جميلاً ، و نختبر مدى ذكائه ، و فكّرنا بأن يقوم صديقي الوحش الوسيم بالظّهور أمامه بشخصية آشين تلك الصّديقة الطّائشة ، و كنتَ أنت الشّخص أو الطُّعم ، و ظهر لنا أنّ الذّكاء قد تبرّأ منك ! ، حسناً ، يبدو أنّني قد تكلّمتُ كثيراً هذه المرّة ، بالمناسبة لقد أشركنا ابنكَ عارف أيضاً في لعبتنا المسليّة ، و لا نظنّ أنّك قد تمانع بذلك ، اطمئن لن نزعجك بعد الآن ، ستعود لكي تجتمع مع عائلتك في مكان جميل " ، بعدها تم وضع أبي عارف في مكان أشبه بوعاء نحاسي عملاق ، غرفة بدون سقف ، و سمع بعدها صوتاً يقول : " إنّني أفكر بتجديد جلود عائلتك ، أفكّر بإعطائهم مظهر جديد !! ، أتعلم ؟ سأضمّكم معاً في نفس الوعاء ، إلى اللّقاء أيّها الفضوليّ ، للأسف سيُحرم النّاس بعد اليوم من فاكهتك اللّذيذة !! " ، ليتبيّن أنّ آشين قد قتلت منذ فترة ، و أنّ وداد كانت قد اخبرت ذلك الوحش بتعويذة غريبة لكي يتخلّص من آشين و زوجها التي كانت قد خطفته منها و التي تعرف أنّه يحب زوجته آشين و لن يتخلّى عنها بسبب الغيرة الشّديدة و الحسد ، فكان الثّمن أنّه دفع حياته .
بعد عدّة أيام ظهر فجأة بائع عربة للفاكهة يقف عند أطراف الطّرقات ، كان يبيع فاكهةً غريبة ، و ينادي بأقبح الأصوات ، و يتجسّس على أحاديث المارّة ، و يضحك بصوت مرتفع و بطريقة مستفزّة ، حتى أنّ عيونه الحمراء كادت أن تفضحه ، فَمَن قتل الإخلاص و الصّدق لن ينجح في لعب دور النّقي أو ارتداء شخصيته ، فالأطباع لن تتبدّل أو تتعدّل ، فمهما كان مذاق الفاكهة جميلاً ، لن يكون أجمل من صدق الإنسان و عفويّته ، و مَن حُرِمَ . من فاكهة الإحساس فَقَدَ جميع المبادئ و الأساس وحب النّاس .
فادي زهران

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( الغوص في الأعماق )) بقلم الشاعر محمد فراشن \ المغروب ـ أزمور

الغوص في الأعماق.../... بحجم خرم ابرة.. فتحت نافذة.. في سماوات قلبي.. كي أرى مدن الفطرة.. ركبت براق خيالي.. وحلقت بعيدا.. في سحيق المجرة.. ر...