قصة قصيرة للأديب والشاعر سلمان فراج
أكثر الزملاء والموظفين أخذوا عطلتهم السنوية هذا الأسبوع، لذلك لم تكن صعوبة في إيجاد موقف لسيارتي هذا الصباح وقلت في نفسي:
- اليوم هدوء وسأنجز كل الأمور العالقة قبل أن آخذ عطلتي الأسبوع القادم.
عندما وقفت أمام المدخل الزجاجي في نهاية الدرج العريض هبت نسمة منعشة فزادت إحساسي بالتحفز للعمل وملأني هاجس عارم ببداية يوم جميل ... لمحت الحارس يتكلم بالخلوي، كان مهموماً ولم يلتفت إليّ عندما صبّحت عليه، فلم أزعجه، دخلت البناية وأسرعت إلى المصعد متلذذاً بالبرودة الناجمة عن التكييف. بادرتني موظفة المقسم متسائلة:
- سمعت الأخبار ؟!... تفجير حافلة قرب صفد !!. استدرت نحوها مذعوراً وقد مر في ذهني شريط من الصور لم يمض على التقاطها بعض ساعة من الزمن ... كان سلطان يقف في محطة الباص فأشرت له بأنني مسافر إلى جهة الجنوب - إلى الناصرة – فأشار بيده إلى جهة الشمال، فهمت أنه يقصد مدينة صفد، حييته بإشارة من يدي وتابعت السفر.
في المحطة التالية قبل أن أتجه إلى الجنوب وقف بعض الجنود وعدد من الشباب والشابات يحملون حقائب وكتباً، رأيت وجوههم، كانوا يتضاحكون، وعندما عبرت أمامهم رأيت عيونهم وهم ينظرون إلي ...! تمتمت وأنا أسير نحو المقسم:
- لا يمكن ... غير معقول !! واتكأت على الحاجز الخشبي قبالتها ورحت أتسمع للمذياع الصغير أمامها وكان لتوه قد بدأ بإعلان الخبر.
كان وجهها متقلصاً وعيناها تحدقان بي بلا روح وهي تتسمع ثم أشعلت سيجارة ومسحت عينيها وأنفها بظاهر يدها وعادت تحدق بوجوم ... منذ عدة سنين أصيب ابنها البكر في حادث مماثل وهو ما زال جثة تتنفس ولا يعي شيئاً، فهجرت مدينتها وجاءت إلى الشمال. لقد حدثتني عن ذلك مرة التقيت بها في المستشفى فرافقتها إلى الغرفة التي يرقد فيها وندمت لما أصابني من إحباط إزاء مأساتها، وكلما كنت أسألها عن حاله كانت تبتسم وتقول:
- على حاله ... كما رأيته ! ثم تبحلق فيَّ بحلقة جامدة لا حركة فيها ، وتهز رأسها وتتابع عملها.
- ما رأيك؟ ماذا تقول؟ سألتْ أخيراً.
- واقع لا يطاق على كل حال!
لم يكن في ذهني أجهز من هذا الرد، وتذكرت الانفجار الذي حدث في مقصف الجامعة العبرية قبل أربعة أيام، كنت وقتها في ورشة عمل ودخل علينا من يخبرنا بالحادث فانتفض أحد الزملاء وخرج من الجلسة وبعد قليل عاد شاحباً مهموماً ودق جرس هاتفه الخلوي ورحنا نتنصت:
- ...................................
- حاولت لا يرد
- .................................................................................................
- أخبرت سامي ورياض بأن يواصلا الاتصال به حتى يرد، وسيخبراني.
- ...................................
- لا تقلقي يا حرمة ... استهدي بالله إنشاءالله لا يصيبه مكروه، قال إن امتحانه طويل، لا أعتقد أنه أنهاه قبل الانفجار.
- ......................
- طبعاً ... مع السلامة.
اضطررنا أن نفض الجلسة لما أصابنا من توتر، وافترقنا مع عبارات الدعاء والطمأنة. وبعد ساعتين هاتفني الزميل ليخبرني أن ولده بخير. بحركة لا إرادية رحت أضغط على أزرار الخلوي وأطمئن على الأولاد واحداً واحداً. قالت لي زوجتي بعد ذلك:
- يقولون إنه يوجد في الباص ركاب من قريتنا، وتعوذتْ بالله.
انتبهتُ إلى عاملة المقسم وهي تردد:
- تسعة قتلى وستة جروحهم خطيرة ... جروحهم خطيرة !!! وارتعشت ثم بكت.
أحسست بالحيرة ثم بإحباط شديد كذلك الذي تملكني يوم رافقتها إلى غرفة ولدها في المستشفى، لم أعرف ماذا أفعل، هل أقول شيئاً؟ ... هل أبقى صامتا؟ ... أأترك المكان واذهب إلى غرفتي؟ ... فجأة قرعت أجراس كنيسة البشارة. رفعت إلي عينين تعبتين ثم استجابت لابتسامتي بابتسامة صفراء مثلها ولوت شفتيها، لويت شفتي مثلها وهززت رأسي ومضيت باتجاه المصعد.
عندما انطبق باب المصعد غمرني الصمت والبرودة وحدي. أحسست بحاجتي لأن أنفخ كل ما في رئتي من زفير وأن أتحسس برودة الجدار بكل موقع من جسدي الذي ألقيته عليه ومددت ذراعي وأذعنت للصعود.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق